العلامة المجلسي
59
بحار الأنوار
وأما ارتفاع الشمس وانحطاطها فقد جعله الله تعالى سببا لإقامة الفصول الأربعة ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منه مواد الثمار ، ويستكثف الهواء فيكثر السحاب والمطر . وتقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن ، وفي الربيع تتحرك الطبائع ، وتظهر المواد المتولدة في الشتاء وينور الشجر ، ويهيج الحيوان للسفاد . وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار ، وتتحلل فضول الأبدان ، ويجف وجه الأرض ويتهيأ للعمارة والزراعة . وفي الخريف يظهر البرد واليبس فتدرك الثمار ، وتستعد الأبدان قليلا قليلا للشتاء . وأما القمر فهو تلو الشمس وخليفتها ، وبه يعلم عدد السنين والحساب ، وتضبط المواقيت الشرعية ، ومنه يحصل النماء والرواء ، وقد جعل الله في طلوعه مصلحة وفي غيبته مصلحة . يحكى أن أعرابيا نام عن جمله ليلا ففقده ، فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر وقال : إن الله صورك ونورك ، وعلى البروج دورك ، فإذا شاء نورك وإذا شاء كورك ، فلا أعلم مزيدا أسأله لك ، فإن أهديت إلي سرورا فقد أهدى الله إليك نورا . ثم أنشأ في ذلك أبياتا . وقال الجاحظ : إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه ، فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم منضودة كالمصابيح والانسان كما لك البيت المتصرف فيه ، وضروب النبات مهيأة لمنافعه ، وصنوف الحيوان متصرفة في مصالحه ، فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل ، وتقدير شامل ، وحكمة بالغة ، وقدرة غير متناهية . ثم إنهم اختلفوا في أن السماء أفضل أم الأرض ، قال بعضهم : السماء أفضل لأنها معبد الملائكة ، وما فيها بقعة عصي الله فيها ، ولما أتى آدم بالمعصية اهبط من الجنة وقال الله : لا يسكن في جواري من عصاني ! وقال تعالى " وجعلنا السماء سقفا محفوظا " وقال " تبارك الذي جعل في السماء بروجا " وورد في الأكثر ذكر السماء مقدما على ذكر الأرض . والسماوات مؤثرة والأرضيات متأثرة ، والمؤثر أشرف من المتأثر .